محمد بن جرير الطبري

434

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عبد الرحمن قال ثنا سفيان عن ابن جريج ، عن عطاء : وَأَرِنا مَناسِكَنا قال : ذبحنا . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : ثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، حدثنا عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : مذابحنا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نحيح ، عن مجاهد مثله . حدثنا المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال عطاء : سمعت عبيد بن عمير يقول : وَأَرِنا مَناسِكَنا قال : أرنا مذابحنا . وقال آخرون : وَأَرِنا مَناسِكَنا بتسكين الراء . وزعموا أن معنى ذلك : وعلمنا ودلنا عليها ، لا أن معناها أرناها بالأَبصار . وزعموا أن ذلك نظير قول حطائط بن يعفر أخي الأَسود بن يعفر : أريني جوادا مات هزلا لأَنني * أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا يعني بقوله أريني : دليني عليه وعرفيني مكانه ، ولم يعن به رؤية العين . وهذه قراءة رويت عن بعض المتقدمين . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال عطاء : أَرِنا مَناسِكَنا أخرجها لنا ، علمناها . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : قال ابن المسيب : قال علي بن أبي طالب : لما فرغ إبراهيم من بناء البيت ، قال : فعلت أي رب فأرنا مناسكنا ، أبرزها لنا ، علمناها فبعث الله جبريل فحج به . والقول واحد ، فمن كسر الراء جعل علامة الجزم سقوط الياء التي في قول القائل أرنيه ، وأقر الراء مكسورة كما كانت قبل الجزم . ومن سكن الراء من " أرنا " توهم أن إعراب الحرف في الراء فسكنها في الجزم كما فعلوا ذلك في لم يكن ولم يك . وسواء كان ذلك من رؤية العين ، أو من رؤية القلب . ولا معنى لفرق من فرق بين رؤية العين في ذلك ورؤية القلب . وأما المناسك فإنها جمع " منسك " ، وهو الموضع الذي ينسك لله فيه ، ويتقرب إليه فيه بما يرضيه من عمل صالح إما بذبح ذبيحة له ، وإما بصلاة أو طواف أو سعي ، وغير ذلك من الأَعمال الصالحة ؛ ولذلك قيل لمشاعر الحج مناسكه ، لأَنها أمارات وعلامات يعتادها الناس ، ويترددون إليها . وأصل المنسك في كلام العرب : الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه ، يقال : لفلان منسك ، وذلك إذا كان له موضع يعتاده لخير أو شر ؛ ولذلك سميت المناسك مناسك ، لأَنها تعتاد ويتردد إليها بالحج والعمرة ، وبالأَعمال التي يتقرب بها إلى الله . وقد قيل : إن معنى النسك : عبادة الله ، وأن الناسك إنما سمي ناسكا بعبادة ربه ، فتأول قائل هذه المقالة قوله : وَأَرِنا مَناسِكَنا وعلمنا عبادتك كيف نعبدك ، وأين نعبدك ، وما يرضيك عنا فنفعله . وهذا القول وإن كان مذهبا يحتمله الكلام ، فإن الغالب على معنى المناسك ما وصفنا قبل من أنها مناسك الحج التي ذكرنا معناها . وخرج هذا الكلام من قول إبراهيم وإسماعيل على وجه المسألة منهما ربهما لأَنفسهما ، وإنما ذلك منهما مسألة ربهما لأَنفسهما وذريتهما المسلمين ، فلما ضما ذريتهما المسلمين إلى أنفسهما صارا كالمخبرين عن أنفسهم بذلك . وإنما قلنا إن ذلك كذلك لتقدم الدعاء منهما للمسلمين من ذريتهما قبل في أول الآية ، وتأخره بعد في الآية الأَخرى . فأما الذي في أول الآية فقولهما : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ . ثم جمعا أنفسهما والأَمة المسلمة من ذريتهما في مسألتهما ربهما أن يريهم مناسكهم فقالا : وَأَرِنا مَناسِكَنا . وأما التي في الآية التي بعدها : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ فجعلا المسألة لذريتهما خاصة . وقد ذكر أنها في قراءة ابن مسعود : أرنا " وأرهم مناسكهم " ، يعني بذلك : وأر ذريتنا المسلمة مناسكهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَتُبْ عَلَيْنا . أما